هل موظفوك محصنين من عدوى دوران العمالة؟

يُعدُّ الاحتفاظ بالموظفين “Employee retention” من أهم أولويات أي منظمة تتطلع إلى الحفاظ على قدرتها التنافسية في سوق العمل في أيامنا هذه العمل

دوران العمالة
جدول المحتويات

على الرغم من الانتشار الواسع للتقدم التكنولوجي في الاقتصاد العالمي القائم على المعارف “knowledge-based economy”، لا يزال الموظفون هم الأصول الرئيسة لأي منظمة كانت.

وبوضع هذا في عين الاعتبار، جرى نشر كميات كبيرة من الأبحاث حول المؤشرات والأسباب المحتملة التي تكمن وراء ارتفاع نسبة دوران العمالة “employee turnover”.

يمكن تصنيف معظم هذه الأبحاث إلى فئتين:

  • أبحاثٌ قدَّمت تفسيرات على المستوى الفردي: مثل الرضا الوظيفي، ومدى ملاءمة الشخص لوظيفته، وما شابه ذلك.
  • أبحاثٌ قدَّمت تفسيرات تتعلق بعوامل خارجية وتنظيمية: مثل معدلات البطالة، والطلب على الوظائف، وغيره.

لكن ومع ذلك، فإنَّ وجود هذين النوعين فقط من التفسيرات دون غيره، يتجاهل تأثير فرق العمل والجوانب الاجتماعية المتأصلة في معدلات دوران العمالة، أي: هل تؤثر سلوكات ومواقف زملاء العمل على نوايا أي موظف كانَ في ترك وظيفته؟

الاستقالة معدية

يتأثر الناس بانتظام بمشاعر أولئك الذين يعملون معهم، لا سيما إن هم عملوا ضمن مجموعات، فجميعنا قد عمل مع ذلك الشخص الذي كان مزاجه السيئ هو ما حدد حالتنا الشعورية في مكان العمل في أحد الأيام؛ أي أنَّ مشاعره السلبية قد أثرت على مزاج جميع من هم حوله. والغريب في الأمر أنَّ عواطف الآخرين تؤثر على أحكام وقرارات العمل، وهذا كله يحدث دون أن ينتبه أحد إلى ذلك في غالب الأحيان.

في دراسةٍ أجريت لمعرفة مدى تفشي المشاعر وانتقالها بين الناس، جرى إنشاء مجموعات لمعرفة أفضل طريقة لتخصيص الأموال عند القيام بعمليات التوظيف، إذ جرى زرع شخصٍ – ممثل – في كل مجموعة، وجرى توجيهه لإظهار أحد المشاعر الأربعة: الحماسة أو الهدوء أو الانفعال العدواني أو الخمول الاكتئابي.

لم تنتقل مشاعر هذا الشخص إلى كل عضو في المجموعة فحسب، بل وتأثرت السلوكات والأحكام الصادرة عن كل مجموعة أيضاً، ففي المجموعات الذي لعب فيها هذا الشخص دور اللطيف، أظهر الأعضاء سلوكاً تعاونياً أكثر، وميلاً أقل إلى النزاع، وخصصوا الأموال بشكل أكثر إنصافاً من المجموعات التي أظهر فيها هذا الشخص مشاعر غير سارَّة.

وفي دراسة أخرى ذات صلة، نظر باحثون في مدى تأثير البيئة الاجتماعية على السلوكات الوظيفية، فأشارت الأدلة إلى أنَّ قرارات الموظفين بمغادرة المنظمة طواعية تتأثر بمواقف وتصرفات زملائهم في العمل، إذ وجد الباحثون أدلة على وجود نوعٍ من الاندماج الوظيفي “job embeddedness” – يسمى أيضاً بالانطمار الوظيفي، ويعني مدى شعور الموظفين بأنَّهم يتأقلمون مع وظائفهم والمجتمع من حولهم – كما تنبأت السلوكات الناتجة عن بحث زملاء العمل عن عمل بديلٍ بحدوث نوعٍ من دوران العمالة الطوعي الفردي بين بقية الموظفين.

يعد الاندماج الوظيفي للموظفين القوة النسبية لشبكتهم التنظيمية؛ أي أنَّ الروابط أو الصلات الأضعف، هي الأسهل تحطيماً. بمعنى، إذا كان زميل العمل ضعيفاً من حيث التواصل التنظيمي (كأن تكون علاقاته مع الموظفين الآخرين في المنظمة أقل وأضعف) أو ينخرط في سلوكات ملحوظة للبحث عن عمل (مثل التحدث عن مقابلات توظيف محتملة، والتعبير عن رغبته في الاستقالة ومغادرة المنظمة)؛ فعلى الأرجح أن يختار زملاؤه ترك المنظمة.

يغادر الناس منظماتهم في كل وقت، فهناك العديد من الأسباب التي تدفع الموظفين إلى القيام بذلك، سواء أكان هذا لأسباب شخصية مثل انتقال أحد أفراد العائلة إلى موقع جغرافي آخر، أو لأسبابٍ مهنية مثل الحصول على أجرٍ أعلى أو ترقية، أو القيام بتغيير مهني، أو لأسبابٍ تنظيمية مثل إجراء تغييراتٍ وظيفية أو مؤسساتية.

في الواقع، ترغب الشركات الناجحة بحدوث قدرٍ معيَّنٍ من دوران العمالة، فلن يضرها شيءٌ من تجديد الدماء من وقتٍ إلى آخر، لكن ومع ذلك، في ظل تفشي ما يصطلح على تسميته “عدوى دوران العمالة”، سيغادر الموظفون الشركة لمجرد مغادرة زملائهم. وعندما تغادر مجموعة من الموظفين منظمة ما في فترةٍ وجيزة، فقد يكون ذلك بسبب تأثير أقرانهم المقربين إليهم، وهذا ما يجب أن يكون مدعاة للقلق، فعلى الأرجح أن يتسبب هذا بحدوث عدوىً من دوران العمالة.

تضيف العلاقات الاجتماعية بين الأفراد داخل المنظمة، جنباً إلى جنب مع المؤشرات ذات الصلة بالمستويين الفردي والتنظيمي المزيد إلى فهمنا لتعقيد القرارات المتعلقة بدوران العمالة؛ فهي أشبه بقطعةٍ واحدة من كعكة كبيرة، ولكنَّها القطعة الأهم على أي حال.

إنَّه لمن المفهوم وجوب إجراء المزيد من الأبحاث كي تكتمل الصورة التي تفسر كيفية عمل هذه الظاهرة، لكن ومع ذلك، وبناءً على الأدلة، لا ينبغي للمنظمات والقادة الانتظار كثيراً قبل أن يتصرفوا: فسوق العمل هذا ذو معايير صارمة، وقد كانت أكثر صرامة لبعض الوقت، حيث شهد حدوثَ تحول ثقافي بين العاملين، تجلى في ازدياد شعورهم بقلة الولاء تجاه منظماتهم، ما زاد بدوره من احتمالية انتقالهم من وظيفةٍ إلى أخرى.

أضف إلى أنَّ نسبة البطالة في أدنى مستوياتها على الإطلاق (قياساً على سنواتٍ سابقة)، وأنَّ الوظائف في حالة نمو آخذ في الارتفاع، ما يعني وجود وظائف شاغرة  – سواء أكانَ ذلك ضمن بيئة عملٍ مكتبي أم عن بعد – أكثر من عدد العمال المتاحين لشَغلها.

جميع هذه العوامل، إلى جانب التكلفة الباهظة لاستبدال الموظفين المهرة – التي يُفترض أن يكون راتب كل منهم ضخماً بحيث يتراوح بين 1.5 إلى 2 ضعف راتب أي موظف جديد – يجب أن تلفت انتباه القادة، وتجبرهم على التوقف لبرهة والتعمُّن في الخيارات المطروحة أمامهم في حال اشتباههم بتفشٍ محتمل لدوران العمالة بين موظفيهم.

في الختام

قد تستشف مما مسبق وجود جانبٍ واحد مظلمٍ في هذا الصدد، لكن يبقى هنالك جانب مشرق على الناحية المقابلة، إذ يمكن التقليل من عدوى دوران العمالة، وجعل الشركات تجني فوائد جمَّة من خلال نشر عدوى من المشاعر الإيجابية بين موظفيها، فكما تخلق المشاعر السلبية دوامة من السلبية، كذلك يمكن للعواطف الإيجابية إحداث الأثرِ نفسه.

فعلى سبيل المثال، يمكن للقادة استثمار الخصائص المعدية للعواطف في نشر مشاعر السعادة بين موظفيهم من خلال التعبير عن الامتنان تجاههم أو الثناء عليهم. بالإضافة إلى ذلك، يمكن لزيادة الاندماج الوظيفي “job embeddedness” وتقوية الروابط بين الموظفين والقادة من خلال إجراء المزيد من عمليات التواصل مع الفرق والأقسام الأخرى، أن تسهم إسهاماً كبيراً في تقليل معدل دوران العمالة بين الموظفين.

المصدر

Shares

مقالات ذات صلة

أهمية التوجيه الأولي في مكان العمل

تأثير الصداقات في العمل على الصحة والإنتاجية

إدارة تجربة العملاء عبر الإنترنت

error: Content is protected !!
We use cookies to improve your experience on our website. By browsing this website, you agree to our use of cookies.

تسجيل الدخول

إنشاء حساب

كلمة سر منسية