في سياق الإدارة الحديثة، لم تعد العلاقة بين المدير والموظّف قائمة على الأوامر والتقييمات الصارمة فحسب، بل أصبحت تتطلَّب قدرًا عاليًا من الفهم الإنساني والتواصل الفعّال ولعلَّ من أبرز العبارات التي يجب أن يُعاد التفكير فيها داخل بيئات العمل هي عبارة أنت موظف ضعيف الأداء هذه الجملة، التي قد تبدو للوهلة الأولى تقييمًا بسيطًا، تُخفي وراءها تبعات نفسيّة ومهنيّة خطيرة قد تؤدي إلى نتائج سلبيّة تتجاوز التأثير على أداء الموظف فقط بل ستصل إلى التأثير على أداء الفريق والمؤسّسة بأكملها.
حين يُخبر المدير أحد الموظفين بأنَّه ضعيف الأداء، فإنَّه لا يُشير فقط إلى سلوك معيّن أو مهمّة غير مكتملة، بل يُطلق حُكمًا شاملًا على كفاءة الموظف بشكل عام وهذا التعميم الجائر بحق الموظف سوف ينتج عنه العديد من الآثار النفسيّة السلبيّة، منها:
يشعر الموظّف بالإهانة أو النقص، خاصة إذا لم يكن معتادًا على النقد المباشر، وهذا بدوره يؤدي إلى تراجع في الثقة، مما ينعكس على الأداء الحقيقي لاحقًا.
بدلًا من تحفيز الموظف للتحسُّن، يشعر بأن جهوده لا تُقدَّر، فيبدأ في فقدان الشغف تجاه العمل.
يتخوَّف الموظف من تكرار الخطأ، مما يدفعه إلى التردد والتجمُّد أمام أي مبادرة، خوفًا من الانتقاد أو العقوبة، لأنّ إطلاق الحكم المطلق على أن الموظف ضعيف الأداء يؤخّر من تطوّره المهنيّ ويجعله ساكناً في مكانه لا يمتلك الجرأة لتغيير وضعه المهنيّ.
ضعيف الأداء هو وصف عام وغير دقيق وفي علم الإدارة وتقييم الأداء، يُنصَح دومًا بأن تكون التغذية الراجعة دقيقة وواضحة أي أنّ التقييمات المرسلة للموظّف يجب أن تكون محدّدة وقابلة للقياس، أما التوصيف الفضفاض والتقييم العام للأداء، فلا يقدِّم للموظف معلومة عمليّة تساعده على التحسُّن، بل يُرخي عزيمته ويحدّ من تطوّره المهنيّ ويُصعِّب عليه معرفة أين وكيف يبدأ بتطوير نفسه.
اقرأ المزيد أيضاً: أسرار يملكها الموظف الناجح تجعله استثنائياً
ومن الأفضل قول: لاحظت تأخُّرًا في تسليم تقاريرالمشروع الأخير، لنتحدَّث عن الأسباب ونضع خطة لتحسين أداءك في إدارة الوقت.
هذه العبارة تُشكّل تعميمًا يَشعر الموظف بسببه بعدم الكفاءة، وتضعف ثقته في نفسه وقدرته على التعلم مثل هذا النوع من الخطاب قد يؤدي إلى تراجع الحافز والميل إلى تجنّب المهام المعقدة، البديل البنّاء يكون باستخدام لغة موضوعيّة، مثل: لاحظت بعض الأخطاء في التقرير الأخير، دعنا نراجعها معًا لتفادي تكرارها هذه الصيغة تفتح باب التحسين دون مساس مباشر بالكرامة المهنيّة للموظف.
تُعد هذه العبارة جارحة وتمس كفاءة الموظف بطريقة شخصية، وقد تُولّد لديه شعورًا بالدونية والانسحاب من بيئة العمل، عوضًا عن ذلك يمكن للمدير أن يقول: ربما هذه المهام لا تتناسب مع نقاط قوتك، دعنا نرى كيف يمكننا توجيهك لمجال تُبدع فيه. هذا الطرح يُشير إلى الرغبة في التطوير وليس في الإقصاء، ويعزز من شعور الموظف بأن لديه قيمة داخل الفريق.
التقليل من شأن أسئلة الموظف أو استفساراته بهذه الطريقة قد يُشعره بالإحراج ويمنعه من طلب المساعدة مستقبلًا، الرد البنّاء يكون بإظهار التفهّم، مثل: أعلم أن هذه التفاصيل ليست واضحة للجميع، دعني أشرحها بطريقة مختلفة بهذا الأسلوب، يُمكن خلق بيئة تعلّم آمنة تُشجّع الموظفين على طرح الأسئلة والتطوّر من خلال الخطأ والتجربة.
من الأخطاء الشائعة في تقييم الأداء الفردي هو تجاهل السّياق المؤسّسي المحيط فقد يكون ما يُظنُّ أنَّه ضعف أداء فربما هو نتيجة لعوامل خارجية متعلقة بالمؤسسة نفسها، مثل:
بالتالي فإنّ تحميل الموظف كامل المسؤوليّة دون فحص البيئة المحيطة يُعدّ قِصَر نظر إداري، ويُفقد المؤسّسة فرصة لتطوير نظامها الإداري بشكل جيد.
اللغة التي يستخدمها القادة تنعكس بشكل مباشر على ثقافة العمل، فإذا شاع استخدام مصطلحات سلبية مثل ضعيف الأداء أو غير كفء، فإنَّ ذلك قد يؤدّي إلى:
في هذه البيئة يخشى الموظّفون من الوقوع في الخطأ أو أن تُوجّه إليهم التقييمات الجارحة.
يشعر الفريق أن التقييمات غير موضوعيّة و جائرة، أو قد تنطوي على تحامُل شخصيّ.
إذ يسود في المؤسسة الشعور بالخوف والرقابة الدائمة، بدل شعور الانتماء وهذا ما ينعكس سلباً على أداء الموظفين، فلا يعود الحافز على التقدّم والتطوّرهو الإبداع وحب العمل وإنما الخوف من التقييمات السلبيّة.
في بعض الدول والأنظمة المؤسّسية، قد يُعد وصف الموظف بعبارات غيرمهنيّة دون وجود دليل موضوعي انتهاكًا للحقوق الوظيفيّة وهذا قد يؤدي إلى:
ولذلك، فإنَّ تقييم الأداء يجب أن يكون مستندًا إلى بيانات وأدوات قياس واضحة، لا إلى أحكام شخصيّة أو انطباعات عامة.
اقرأ المزيد: أفضل طرق جذب الموظفين للعمل في شركتك
لخلق بيئة قائمة على التحسين المستمرّ والثقة المُتبادلة، يحتاج المدير إلى تبنّي أساليب فعّالة في التغذية الراجعة والتقييم من أبرز هذه الأساليب:
يتضمَّن هذا النموذج ثلاث خطوات:
مثال: لاحظت أنك تأخرت في إرسال العرض التقديمي للاجتماع الأخير، وهذا أدى إلى تقليص وقت المناقشة مع العميل، هل يمكننا العمل على خطة لتنسيق المواعيد مستقبلًا؟
عند منح الموظف فرصة للتعبير عن رؤيته لأدائه، يُصبح التقييم عملية حواريّة لا سلطويّة وهذا ما يعزّز الشعور بالمسؤوليّة لدى الوظّف ويمنح المدير صورة أوسع لفهم التحديات التي يواجهها الموظفون.
لا يكفي الإشارة إلى مواطن الضعف، بل يجب تقديم أدوات تُعين على التطوير، مثل:
أي تطوُّر في الأداء الوظيفي مهما كان بسيطًا، يجب الإشادة به وتقديره فهذا يعزِّز الثقة ويشجِّع الموظف على مواصلة التحسُّن، ويُشعره أن جهوده مُقدّرة.
وصف الموظف بأنه ضعيف الأداء لا يعكس غالبًا الحقيقة الكاملة، بل هو وصف ناقص وغير عادل لأن ضعف الأداء هو نتاج عوامل عديدة، فالأداء المهني ليس نتاج قدرات فردية فقط بل يتشكّل داخل بيئة معقّدة تشمل الثقافة التنظيميّة، نمط القيادة، وضوح التوجيهات، وتوفر أدوات الدعم، لذلك فإن إطلاق حكم عام وسلبي على موظف دون النظر إلى تلك العوامل يُعد ممارسة غير عادلة بل ومُضرّة.
الأخطر من ذلك أن اللغة المستخدمة في تقييم الموظف لها تأثير عميق على نفسيته وسلوكه، إذ أظهرت الدراسات أن استخدام عبارات وتقييمات سلبيّة، يُضعف شعور الموظف بالانتماء للشركة ويقلّل من إحساسه بالسيطرة على أدائه، هذا قد يدفعه إلى ما يُعرف بـالانسحاب الصامت، حيث يستمر بالحضور الجسدي للعمل دون التفاعل أو الإنتاجيّة الحقيقيّة، وهو سلوك خفي لكنه مدمّر على المدى البعيد.
بالمقابل، يُمكن تحقيق نتائج أكثر فاعلية من خلال مقاربة تقوم على الفهم والدعم، لا على الإدانة، فإذا قُدّم للموظف تقييم موضوعي يوضّح النقاط التي تحتاج إلى تطوير، ويرافقه توجيه عملي وفرص للتعلّم، فإن ذلك يعزّز ثقته بنفسه ويدفعه نحو التطوّر، مثل هذا النهج يُرسّخ ثقافة تنظيمية عادلة، يشعر فيها الموظفون بأنهم شركاء في التطوير، لا مجرّد عناصر خاضعة للحُكم.
وبالتالي، فإن المؤسسات التي تتبنّى منطق الفهم بدلًا من الاتهام لا تحمي موظفيها فحسب، بل تُؤسّس لبيئة أكثر إنتاجيّة وإنسانيّة.
اقرأ أيضاً: ما هي رفاهية الموظف وكيفية تعزيزها بنجاح
فيما يلي مجموعة من الأسئلة التي يطرحها المدراء وأصحاب القرار في بيئات العمل عند التعامل مع الموظفين الذين يواجهون تحديات في الأداء، تهدف هذه الفقرة إلى توضيح المفاهيم الغامضة وتقديم إرشادات عملية تساعد في اتخاذ قرارات أكثر توازنًا وإنصافًا، دون اللجوء إلى التوصيفات السلبيّة التي قد تضر بثقافة المؤسسة أو تُحبط الموظفين.
يفضَّل دومًا تجنُّب هذا الوصف، حتى في الحالات الحرجة لكن إذا استُخدم، فينبغي أن يكون ضمن تقرير رسمي مدعوم بأدلّة رقميّة وتوثيق لسير العمليّة التطويريّة التي سبقت هذا التقييم وحتى في هذه الحالة، يُستحسن استخدام مصطلحات مهنيّة أكثر مثل: أداء دون التوقعات أو أداء يحتاج إلى تطوير.
في هذه الحالة، يُنصح بما يلي:
وإذا استمرّ الأداء دون تحسُّن، يمكن اتخاذ إجراء وظيفي رسمي وفق اللوائح، دون اللجوء إلى ألفاظ غير مهنيّة أو جارحة للشخص الآخر.
المفتاح هو استخدام لغة مهنيَّة تركِّز على السلوك والنتائج، لا على الشخص مثال:
تأخَّرت في تسليم المهمة (سلوك محدد)
وليس أنت كسول ولا تتحمَّل المسؤولية (حكم شخصي).
نعم وهناك برامج عديدة لتطوير مهارات التواصل الفعّال، والتغذية الراجعة البنّاءة، وإدارة الأداء ومن المهم أن يُنظر إلى هذا التدريب كأولويّة إداريّة لا كخيار ثانوي.
تقييم الأداء ليس هدفًا بحدّ ذاته، بل هو أداة لتطوير الأفراد والنهوض بالمؤسّسة لذلك، ينبغي أن يُستخدم هذا التقييم بلغة تحفظ الكرامة وتعزّز التحسين، لا بلغة الإقصاء والحُكم. وصف الموظّف بأنَّه ضعيف الأداء لا يعكس فقط خللًا في تقييمه، بل يُشير إلى فجوة في ثقافة المؤسسة بشكل عام فالمؤسسات الناجحة هي التي ترى في كل موظف طاقة كامنة وقدرات إبداعيّة وتستخدمها بشكل صحيح وتوجيه قويم.
مسارات مهنية ذات صلة