الشركات العائليّة في عالم الأعمال

تختلف أنواع الشركات في عالم الأعمال، ويكمُن هذا الاختلاف في مسائل شتّى، ما يجعل لكل نوع مزايا وتحدّيات تُعنى به وحده دوناً عن غيره من الأنواع الأخرى، وفي مقالنا هذا سنتناول صنفاً يُعدّ الأبرزمن نوعه وأحد الأعمدة الاساسيّة في الاقتصاد الوطنيّ والعالميّ على حدٍّ سواء، ألا وهو الشركات العائليّة (باللغة الإنجليزية: family businesses)، حيث تُصنّف الشركات العائليّة الأكثرانتشاراً حول العالم، فما هي الشركات العائلية؟ أهم المزايا التي تتمتّع بها هذه الشركات؟ التحديات التي تواجهها؟ والحلول المقترحة؟ كلّها أسئلة مهمّة، يمكن من خلال الإجابة عليها أن يصبح تصوّرك واضحاً عن هذه الشركات.

جدول المحتويات

ماهي الشركات العائليّة؟

الشركة العائليّة هي مُنشأة تجاريّة يُديرها فرد أو عدة أفراد من عائلة واحدة، تربطهم صلة قرابة، حيث يكون القرار مشتركاً بين أفراد العائلة العاملين في الشركة، في غالب الأحيان تكون هذه السُلطة مُتناقلة من جيل إلى جيل، وهذا ما قد يُسبب بعض التحدّيات ويُعرقل سير العمل، وفي الوقت ذاته قد تكون هذه القرابة هي مصدر قوّة للشركة، سنتعرف على المزيد من التفاصيل في الفقرات التالية. 

 مزايا الشركات العائلية 

تُمثّل الشركات العائليّة نسبة كبيرة من إجماليّ عدد الشركات حول العالم، وتُساهم بشكل كبير في توفير فرص العمل وتحسين الاقتصاد المحلّيّ والعالميّ، ولها مزايا ومقوّمات عديدة تجعلها أفضل من غيرها من أهم هذه المزايا: 

اقرأ أيضاًُ المزيد: ما يجب أن يعرفه العمالعن سوق العمل قبل بدء العانم الجديد

  • الاستمراريّة طويلة الأمد 

في الغالب تكون الاستراتيجيات المُتّبعة في الشركات العائلية ذات طابع طويل الأمد، إذ يكون الهدف الأساسيّ لهذه الشركات هو نقل لإرث العائليّ للأجيال القادمة وليس الربح الآني، حيث يُساهم هذا التفكير الاستراتيجي في بناء مؤسسات مستقرة ومُستدامة.

  • الولاء والانتماء 

تتميّز الشركات العائلية بقوة انتماء وولاء إدارتها لها، حيث يكون شعور الولاء للشركة والانتماء لها عالياً لدى المدراء والموظّفين، وتكون مصلحة الشركة مقدّمة على المصالح الفرديّة، وهذا ما ينعكس بشكل إيجابيّ على مستوى نجاح الشركة وبقائها.

3. السرعة في اتخاذ القرارات 

نظراً لكون الإدارة تتّبع مركزيّة ومرجعيّة واحدة، فإن عمليّة اتخاذ القرارات، وإجراء التغييرات، تكون سهلة وسريعة، وهذه من أبرز الميّزات التي تُمكّن الشركات العائليّة من الازدهار والتطوّر بشكل أسرع مقارنة بغيرها.

      4. الاستقرار الإداريّ

إنّ استقرار القيادة الناتج عن توارث الإدارة عبر الأجيال، يُسهم في الحفاظ على توجّهات ثابتة، ومبادئ تجاريّة راسخة، وهذا ما يسمح بتنفيذ خطط طويلة الأمد. 

     5. علاقات وثيقة مع العملاء 

في الشركات العائلية يكون إقامة العلاقات طويلة الأمد مع العملاء، وبناء الثقة أمراً يسيراً إلى حدّ ما، عكس ما قد يحصل مع الشركات الأخرى، لأن أفراد العائلة يورّثون السُمعة الطيبة والعلاقات الوثيقة لأبنائهم وليس فقط الأموال والمناصب.  

    6. مرونة نقديّة واستثمارات أوسع 

بما أنّ الشركات العائليّة تُعيد استثمار أرباحها، وذلك بدلاً من توزيعها على المساهمين كما هو الحال بالشركات الأخرى، فإنها تتمتّع باحتياطي مالي جيّد يساعدها على تجاوز الأزمات في حال حدوثها، وهذا ما يجعل شبكات استثمارها أوسع.

التحدّيات التي تواجه الشركات العائليّة

كما هو الحال في كل الشركات، فإن الشركات العائلية تواجه تحدّيات ومصاعب أيضاً، لكنّ التحديات التي تواجهها هذه الشركات تكون فريدة من نوعها، وليست تقليديّة كباقي التحدّيات، لنتعرف أكثر على هذه التحديات:

1. تداخل العلاقات الأسريّة مع القرارات الإداريّة

من أكثر التحديات شيوعاً في الشركات العائليّة، هو تداخل البُعد العاطفي والأُسري بالشؤون الإداريّة، وهذا ما لا يُحمد عقباه، فقد يؤدّي ذلك إلى اتخاذ قرارات غير صائبة مبنيّة على العاطفة لا على المنطق والقانون، وقد يتم منح المناصب على أساس القرابة لا على أساس الكفاءة، فمثل هذه الاستراتيجيّات ستؤثر سلباً على الشركة وتحدّ من تقدّمها وتطوّرها.

اقرأ أيضاً: كيف تؤثر السلطة على الدماغ

2.عدم وضع خطة لنقل السُلطة للجيل التالي 

تقع العديد من الشركات العائليّة بمشكلة كبيرة عند غياب المدير سواء كان غيابه بسبب تقاعده أو وفاته، وتعود أبعاد هذه المشكلة إلى غياب التخطيط للمرحلة التالية وكيفيّة تسليم الإدارة.

3.ضعف الحوكمة المؤسّسية

بعض الشركات العائليّة تُدار بطريقة تقليديّة، دون وجود هياكل إدارية واضحة أو لوائح تنظيميّة تُحدّد آليات اتخاذ القرارات ضمن الشركة، وهذا ما يُعرّضها للفوضى في حال توسّعها أو عند حدوث خلافات.

4.الخلافات العائلية وتأثيرها على بيئة العمل

في بعض الحالات، النزاعات بين أفراد العائلة يُمكن أن تنتقل إلى بيئة العمل، وتؤثر سلبًا على الموظفين الآخرين مما يؤدي إلى بيئة عمل مشحونة، تُضعف الأداء العام وتؤثّر على سمعة الشركة.

5.عدم استقطاب الكفاءات من خارج العائلة

بعض الشركات تُفضّل توظيف أفراد العائلة على حساب أصحاب الخبرة، مما يحد من فرص التطوير والتجديد، ويجعلها أقل قدرة على المنافسة في سوق العمل والذي بدوره يتطلّب احترافية عالية وتنوّعًا في المهارات.

اقرأ المزيد: ما دور الإصلاح الاإداري فيتحسين الأداء الوظيفي

حلول واستراتيجيّات لتعزيز استدامة الشركات العائليّة

تظل الشركات العائلية ركيزة مهمة في الاقتصاد، تحمل في طيّاتها قيمًا إنسانية واجتماعية تتفرد بها دوناً عن غيرها إلا أن نجاحها واستمرارها لا يتحقق إلا مع تطبيق قوانين الإدارة الحديثة، ولا يتم تجاوز التحدّيات إلا بتحقيق التوازن بين العمل والأسرة، ومن بعض الاستراتيجيّات التي تساعد على تحقيق هذا التوازن ما يلي: 

   1.فصل الإدارة عن الملكية

من الضروري أن يتم الفصل بين من يملك الشركة ومن يديرها، حيث يستطيع أفراد العائلة أن يحتفظوا بحقهم بامتلاك الشركة، بينما يُمكن أن تُوكل الإدارة إلى أشخاص أكثر مهنيّة  ويمتلكون الكفاءة والخبرة المناسبتين، وهذا ما يُعزّز من الأداء ويضمن الشفافيّة.

2.إعداد خطة لنقل الإدارة للجيل الجديد

ينبغي أن تبدأ الشركات مبكّرًا في اختيار الجيل القادم من القادة، من خلال برامج تأهيل وتدريب مستمرة، مع وضع معايير واضحة للاختيار والترقية بعيدًا عن المجاملة أو المحسوبيّات.

3.تعزيز الحوكمة المؤسسية

ينبغي للشركات العائلية تبنّي ممارسات الحوكمة الحديثة، كتأسيس مجلس إدارة فعّال يضم أعضاء من خارج العائلة، واعتماد سياسات واضحة للشفافية والمساءلة والتقارير المالية.

    4.إنشاء مجلس عائلي

المجلس العائلي هو هيئة غير رسميّة تضم أفراد العائلة المعنيّين بالشركة، ويُعنى بتنظيم العلاقة بين العائلة والعمل، ووضع سياسات لحل النزاعات وتحديد معايير الانضمام للشركة من قبل أفراد العائلة.

الحوكمة والشفافيّة ركائز لاستدامة الشركات العائليّة

تشير الدراسات الحديثة إلى أن الحوكمة الرشيدة تُمثّل حجر الأساس في استدامة الشركات العائليّة وتفادي أزماتها الداخلية، فقد أظهرت دراسة نُشرت في Journal of Family Business Strategy أن الشركات العائليّة التي تعتمد على هياكل حوكمة رسميّة تحقّق أداءً ماليًا أعلى بنسبة 15٪ مقارنة بتلك التي تُدار بشكل غير منظّم، وفي بعض الشركات العائليّة في أوربا، بدأت العائلات التجاريّة بإشراك الجيل الجديد في مجالس عائليّة استشاريّة قبل تولّيهم أي أدوار تنفيذيّة، مما يمنحهم فهماً تدريجيًّا لطبيعة العمل دون المساس بمعايير الكفاءة، من ناحية أخرى يُعدّ غياب الشفافيّة في آليات صنع القرار عاملاً رئيسيّاً في نشوء النزاعات الداخلية، والتي قد تُضعف الأداء المؤسسي وتؤثّر سلباً على ثقة الموظفين غير المنتمين للعائلة ولذلك، تميل الشركات العائلية الناجحة إلى الفصل الصارم بين ثلاثة مجالات رئيسية: العائلة، الملكيّة، والإداردة، وذلك لضمان وضوح الأدوار وتفادي تضارب المصالح، بما ينعكس إيجابًا على الانسجام الداخلي والنتائج طويلة الأمد.

التطوّر الوظيفي: عقبة أم فرصة؟

في بعض الشركات العائلية، يُعاني الموظّفون من خارج العائلة من جمود في التطوّر الوظيفي نتيجة حصر المناصب القياديّة في أفراد العائلة، هذا الأمر الذي يُضعف الحافز المهني عند عمال الشركة، ويقلّل من معدّل الموظفين أصحاب الكفاءة
لكن يمكن للشركات العائلية أن تُحوّل هذا التحدي إلى فرصة من خلال:
• اعتماد برامج لتطوير الموظفين مبنيّة على الأداء والكفاءة.
• فتح مسارات قياديّة لجميع العاملين، لا تقتصر على العائلة فقط.
• إشراك الموظفين في صنع القرار الاستراتيجي لتحقيق اندماج أكبر.

توريث المناصب: هل هو دائمًا سلبي؟

توريث المناصب هو سمة شائعة في الشركات العائليّة، حيث يُمنح الجيل التالي من العائلة مناصب قيادية دون المرور بمراحل تدريب أو تقييم كافية ورغم أن هذا التوجه قد يحقّق الاستمرارية، إلا أنه يُعرّض الشركة لمخاطر ضعف الكفاءة أو غياب الرؤية التجديديّة.
من أجل توريث المناصب بشكل مدروس ينبغي:
• إعداد الجيل الجديد من العائلة مبكّرًا عبر التدريب والتأهيل.
• ضمان أن ورثة المناصب يمتلكون الكفاءة المطلوبة وليس فقط الاسم العائلي.
• التخطيط للمزج بين القيادات العائليّة والقيادات لاحترافيّة لتحقيق التوازن.

اقرأ أيضاً عن: الإعداد ليس كافياً للاندماج في الشركة

إعادة تعريف مفهوم الكفاءة في سياق الشركات العائليّة

في الوقت الذي تزداد فيه الضغوط على الشركات لتحقيق الأداء العالي والمنافسة المستدامة، تواجه الشركات العائليّة تحدّيًا خاصًا يتمثّل في إعادة تعريف مفهوم الكفاءة داخل أنظمتها الإداريّة، ففي الكثير من هذه الشركات، لا تزال معايير التوظيف والترقية تستند، بشكل مباشر أو ضمني، إلى صلة القرابة، ممّا يؤدي إلى تآكل مبدأ الكفاءة بوصفه أساسًا لتوزيع الفرص داخل المؤسّسة، ومع ذلك تُشير الاتجاهات الحديثة إلى وجود اهتمام متزايد في تبنّي معايير أكثر موضوعيّة ومهنيّة للترقية، خاصة في الشركات العائليّة من الجيل الثاني والثالث.
أحد أبرز التطورات في هذا السياق هو لجوء بعض الشركات العائلية إلى برامج تقييم داخلي محايدة، يتم فيها إشراك أطراف مستقلّة (مثل مستشارين خارجيين أو أعضاء غير تنفيذيين في مجلس الإدارة) لتقييم أداء المرشّحين للمناصب القياديّة، كما أصبحت بعض العائلات التجاريّة تشترط على أبنائها اكتساب خبرة مهنيّة خارج نطاق الشركة، وأحيانًا في أسواق دولية، قبل التفكير في دمجهم في مواقع اتخاذ القرار، هذا النهج لا يُعزّز فقط من مصداقيّة التعيينات، بل يُسهم أيضًا في تحقيق التوازن بين الولاء العائلي والكفاءة المؤسسية.
وعلى الجانب الثقافي، هناك إدراك متزايد أن الحفاظ على اسم العائلة لا يتحقق فقط بتوريث السلطة، بل ببناء مؤسسات يُحتذى بها في العدالة التنظيميّة وتكافؤ الفرص، وهنا تظهر أهميّة صياغة مدوّنات سلوك عائلية تُنظّم العلاقة بين الانتماء العائلي ودور الفرد المهني داخل الشركة، بما يضمن انتقالًا صحيحاً ومستقرًّا للقيادة عبر الأجيال، ويُعيد الاعتبار لمفهوم الكفاءة في بيئة العمل.

الأسئلة الشائعة حول الشركات العائلية

يوجد الكثير من الأسئلة التي يتم طرحها حول الشركات العائليّة، إليك أكثرها شيوعاً: 

1. ما الفرق بين الشركة العائلية والشركة التقليدية؟

الشركة العائلية تُدار وتُملك كليًا أو جزئيًا من قِبل أفراد عائلة واحدة، بينما الشركة التقليدية قد تكون ملكًا لمستثمرين أو مساهمين دون روابط عائلية.

2. هل يمكن للشركات العائلية أن تتحوّل إلى شركات مساهمة عامة؟

نعم، ويمكن أن يكون هذا التحوّل خطوة استراتيجية لزيادة رأس المال وتعزيز الشفافية والحوكمة، شريطة إدارة هذا الانتقال بعناية.

3. ما أبرز أسباب فشل الشركات العائلية؟

  •  غياب التخطيط للخلافة
  •  النزاعات الداخلية
  •  وتفضيل صلة القرابة على الكفاءة المهنية في عمليّة اختيار الموظّفين.

الخاتمة 

 إنّ التحدي الأكبر أمام الشركات العائليّة لا يكمُن فقط في كونها عائليّة بطبيعتها وهيكلتها، بل في كيفيّة إدارتها للعلاقات الداخليّة والخارجيّة، وتطبيق مبدأ العدالة، واحتضان الكفاءات من داخل العائلة وخارجها، فعندما يُدار العمل بطريقة احترافيّة، وتُمنح الفرص بناءً على الجدارة لا على القرابة، في هذه الطريقة يُمكن للشركة العائليّة أن تجمع بين متانة الروابط الأسريّة وقوة الأداء المؤسّسي.

المصادر

Build a Family Business That Lasts.1

PwC’s 11th Global Family Business SurveyTransform to build trust.2

Family enterprise.3

Shares

مقالات ذات صلة

الاستثمار العاطفي: كيفية تأثيره في ثقافة الشركة

الاحتراق الوظيفي: كيف تقضي وظيفتك على حياتك؟

قواعد العمل التي تدفع الموظفين لترك وظائفهم

error: Content is protected !!
We use cookies to improve your experience on our website. By browsing this website, you agree to our use of cookies.

تسجيل الدخول

إنشاء حساب

كلمة سر منسية